فخر الدين الرازي
192
القضاء والقدر
في خلقه ، قبل أن خلقهم . فهم صائرون إلى ما علم اللّه منهم » « 1 » فكان هذا الخبر ، كالمفسر لجميع الأخبار الواردة في باب القدر . سلمنا : أن المراد من القدر الخلق والإيجاد . فلم قلتم : إن المراد من الخير والشر ، هو الطاعة والمعصية ؟ وذلك لأن لفظ الخير والشر ، قد يستعملان أيضا في المنافع والمضار . قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 2 » ومعلوم أن الابتلاء لا يقع بالخير والشر ، بمعنى الطاعة والمعصية . وإنما المراد بالخير : المنافع التي هي الأموال ، والرفاهية في العيش ، والصحة في البدن ، والأهل والأولاد . والمراد بالشر : المضار التي هي القحط والمرض ، والمصيبة . ولهذا سمى الحرب والفتنة : شرا . قال الشاعر : قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا وقال : لكن قومي . وإن كانوا ذوي عدد * ليس من الشر في شيء ، وإن هانا وقال : فلما أصبح الشر ، * فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان ، * دناهم كما دنوا وفي الشر نجاة حين * لا ينجيك إحسان إذا ثبت هذا فنقول : المراد بالقدر خيره وشره : ما ذكرناه . وذلك لأن الثنوية « 3 » أثبتوا للعالم صانعين . أحدهما : يفعل اللذات والراحات . والآخر : يفعل الآلام والأسقام ، فشرط النبي عليه السلام في الإيمان : حصول الإيمان ، بأن فاعل الكل ، هو اللّه - سبحانه - . سلمنا : أن المراد من الخير والشر : الطاعة والمعصية . إلا أن قوله : « وأن تؤمن بالقدر خيره وشره » ليس فيه بيان أن المعتبر هو الإيمان ، بأن قدر الخير والشر من اللّه ، أو من العبد . فنحن نقول : المراد : أن قدر الطاعات والمعاصي من العبد ، وأنتم تقولون : المراد : أنه من اللّه . فلم كان قولكم أولى من قولنا ؟ والذي يؤكد قولنا : أنكم تزعمون أن القدرية هم المعتزلة ،
--> ( 1 ) الحديث رواه الديلمي في فردوس الأخبار ( 2 / 477 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء الآية 35 . ( 3 ) الثنوية ، وهم يقولون بأصلين اثنين للعالم : وهما النور والظلمة وهما أزليان . . وقد تفرقوا فرقا : فمنهم المانوية أتباع ماني بن فاتك ( توفي سنة 279 م ) الذي ظهر في فارس في زمن سابور بن أردشير ومنهم الديصانية أتباع ديصان ، والمرقونية أتباع مرقيون من كبار الغنوصيين أو العرفانيين المسيحيين ، والمزدكية أتباع مزدك بن نامدان كان موبذ موبذان وكلها أديان وفرق فارسية غنوصية لها خلاف حول الأصلين النور والظلمة . وانظر تفاصيل آرائها في : الملل والنحل للشهرستاني 1 / 244 - 254 . اعتقادات الرازي ص 121 - 124 ؛ المنية والأمل لابن المرتضى ص 60 ( وقد زاد على هذه الأربعة الماهانية والكيسانية والصافية والمهراكية والمجوس ) ، ونشأة الفكر الفلسفي للدكتور النشار 1 / 189 - 197 .